خليل الصفدي
24
نكت الهميان في نكت العميان
قلت : قد تقدم أنه لما ضرب المثل للمؤمن والكافر بالأعمى والبصير ، وأكد ذلك بالظلمات والنور ؛ لأنهما أمس بالأعمى والبصير من الظل والحرور ، ومن الحياة ومن الموت ، انتقل بعد ذلك إلى بيان حاليهما ، فقال : إن حاليهما متباينان ، فأتى به على القاعدة في تقديم الأشرف على الأخس ، فقدم الظل على الحر ، والحياة على الموت ، ومن قال : إنما أتى بذلك طلبا للمناسبة بين رؤوس الآي ليناسب بين البصير ، والنور ، والحرور ، فليس في شيء ، والذي ذكرته أدخل في أقسام البلاغة ، وأثبت على محل الإعجاز . فإن قلت : كيف أفرد لفظ الأعمى والبصير والنور والظل ، وجمع لفظ الظلمات والحرور والأحياء والأموات ؟ قلت : أما إفراد الأعمى ، فيلزم منه على مقتضى الفصاحة إفراد البصير ، وهكذا جمع الأحياء يلزم منه جمع الأموات عملا بمقتضى الفصاحة ، وأما إفراد الأولين وجمع الثانيين ، فإن الإفراد معناه القلة ، والجمع معناه الكثرة ، فأتى بذلك على الأصل الواقع ؛ لأن المؤمنين كانوا قليلين ، ولما نشر اللّه الدعوة ودخل الناس في دين اللّه أفواجا ، حسن أن يضرب المثل لهم بالكثرة ، ويؤيد ما قلته أن السورة مكية ، وفي ذلك بشارة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأن أمر الإيمان والمؤمنين يؤول إلى الكثرة ، وفي ذلك طمأنينة له صلى اللّه عليه وسلم وتثبيت ؛ ليعلم العاقبة من أمره . وأما إفراد النور وجمع الظلمات ، فقد تقرر أن هذه أمثلة ضربها اللّه تعالى للمؤمن والكافر ، والمؤمن من اتبع الحق وآمن به ، والحق هو شيء واحد ، وهو الإيمان باللّه تعالى ، وأما الكفر فإنه جنس تحته أنواع متعددة الأباطيل من عبادة الكواكب ، والإشراك باللّه ، وعبادة الأصنام ، واعتقاد الدّهريين ، إلى غير ذلك من المقالات الفاسدة التي يجمعها الكفر ، فلذلك قال تعالى : وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ [ فاطر : 20 ] ، أي لا يستوى أنواع الضلالات ونوع الهدى ، هيهات ! وقيل : النور لا يكون إلا باجتماع ثلاثة أشياء ، وهي المنوّر ، والنور نفسه ، والمستنير ، وهو الجسم الذي يقبل الاستنارة وعدم الحائل ، وكذلك الظلمة ، فقد قابل الظلمات بشئ هو مجموع من هذه الأمور ، وهذا بعيد ، والأول أولى . وأما إفراد الظل وكون الحرور أتى بهذه الصيغة وهي فعول ، مثل قبول ، وطهور